أحمد زكي صفوت

428

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فضل فريسته ، فأذهبت دنياك وآخرتك ، ولو بالحق أخذت ، أدركت ما طلبت « 1 » ، فإن يمكن اللّه منك ومن ابن أبي سفيان ، أجزكما بما قدّمتما ، وإن تعجزا « 2 » وتبقيا فما أمامكما شرّ لكما ، والسلام » . ( نهج البلاغة 2 : 45 ) صورة أخرى وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفّين هذا الكتاب بزيادة لم يذكرها الرّضىّ . قال نصر : كتب علىّ عليه السلام إلى عمرو بن العاص : « من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل ، شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام « 3 » . سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره ، يشين الكريم بمجلسه ، ويسفّه الحليم بخلطته ، فصار قلبك لقلبه تبعا ، كما قيل : « وافق شنّ طبقة « 4 » » ، فسلبك دينك وأمانتك ، ودنياك وآخرتك ،

--> ( 1 ) كان عمرو يطلب ملك مصر ، وقد عاقد معاوية على نصرته على أن يجعل له مصر طعمة كما قدمنا ، ولم يكن على لينيله مأربه ، فمعنى أدركت ما طلبت أي في الآخرة فإن ثواب اللّه فيها خير من عرض زائل بائد . ( 2 ) أي وإن تعجزانى أو تبقيا بعدى فما أما مكما من عقاب اللّه شر لكما من جزائي . ( 3 ) الشانئ : المبغض ، ويسهل ، وذلك أن العاص بن وائل سمى النبي صلى اللّه عليه وسلم أبتر عند موت ابنه القاسم فنزل فيه « إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » أي المنقطع عن كل خير الذي لا يفوز بالذكر الحسن بعد موته ، وأما أنت يا محمد فسيبقى حسن ذكرك وآثار فضلك إلى يوم القيامة ، فهو الأبتر لا أنت ( 4 ) هو مثل ، وذلك أنه كان رجل من دهاة العرب وعقلائهم يقال له شن ، فقال : واللّه لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها ، فبينما هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق ، فسأله شن : أين تريد ، فقال : موضع كذا ، يريد القرية التي يقصدها شن فرافقه حتى أخذا في مسيرهما ، قال له شن : أتحملنى أم أحملك ؟ فقال له الرجل : يا جاهل ، أنا راكب وأنت راكب فكيف أحملك أو تحملني ، فسكت عنه شن ، وسارا حتى إذا قربا من القرية وإذا بزرع قد استحصد ( أي آن له أن يحصد ) ، فقال شن : أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ فقال له الرجل : يا جاهل ، ترى نبتا مستحصدا فتقول : أكل أم لا ؟ فسكت عنه شن ، حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة ، فقال شن : أترى صاحب هذا النعش حيا أو ميتا ؟ -